هاشم معروف الحسني

161

أصول التشيع

ثم ندد سبحانه على المنكر للبعث بعد أن أوجده بتلك المراحل الدقيقة فقال : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ثم عاد سبحانه إلى تأييد النشأة الثانية ، منكرا عليهم جحودها واستعظامها ، فقال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ قال في مجمع البيان : أي جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار نارا محرقة يعني بذلك « المرخ والعفار » وهما شجرتان يتخذ الأعراب زنودهما لإيقاد النار ومع مضادة النار للرطوبة فإذا احتاج أحدهما إلى النار حك بعضهما ببعض فتخرج منهما نارا ، ومن قدر على ذلك قدر على أن يعيد الإنسان يوم حشره للجزاء . ثم أدلى سبحانه بحجة ثالثة بصورة الاستفهام التقديري فقال : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . فهذه على عظمته أدل من تينك الحجتين ، لأن الإنسان قد تدرج إلى مراحل متعددة حتى أصبح إنسانا ، والشجر الأخضر تخرج منه النار بعد اتصال الجسمين وهما المرخ والغفار ولكن السماوات والأرض ، على عظمتهما وكثرة أجزائهما أوجدهما دفعة بعد العدم . ومن كانت له تلك القدرة كان على إعادة الإنسان الصغير أقدر ، لأن مادته لم تذهب والذي ذهب هو صورته النوعية ، أي ما به يكون الإنسان إنسانا . وقد نبه سبحانه على البعث بهذا النحو من القياس على النشأة الأولى في سروة القيامة . قال تعالى : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى إلى أن قال : أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وقوله سبحانه أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي أن صنع الإنسان وجميع ما في الكون لأول مرة أهم وأعظم من إعادة صنعه بعشرات المرات ، إن المخترع يظل أمدا طويلا أمام الأمر الذي يريده ويبقى أمدا يقلب وجوه الرأي ويجري عشرات التجارب حتى إذا استطاع أن يحقق ما يريد يصبح إعادة صنعه عملا آليا يصنع منه الألوف وعشرات الألوف